ابن رشد
83
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
ذلك " أنه متى لم يعقل أن هاهنا أوساطا بين المبادئ والغايات في المصنوعات ، ترتب عليها وجود الغايات ، لم يكن هاهنا نظام ولا ترتيب ، وإذا لم يكن هاهنا نظام ولا ترتيب لم يكن هاهنا دلالة أن لهذه الموجودات فاعلا مريدا عالما ، لأن الترتيب والنظام وبناء المسببات على الأسباب هو الذي يدل على أنها صدرت عن علم وحكمة . وأما وجود الجائز على أحد الجائزين فيمكن أن يكون عن فاعل غير حكيم ، عن الاتفاق عنه ( - أي عن طريق المصادفة لا غير ) ، مثل أن يقع حجر على الأرض ، عن الثقل فيه ، فيسقط على جهة منه دون جهة وعلى موضع دون موضع " ( ف : 220 ) . ويلاحظ ابن رشد أن من جملة الدوافع التي دفعت الأشاعرة إلى القول بالتجويز : " الهروب من القول بفعل القوى الطبيعية " والخوف من " أن يدخل عليهم في القول بالأسباب الطبيعية أن يكون العالم صادرا عن سبب طبيعي " . ثم يعقب على هذا قائلا : " ولو علموا أن الطبيعة مصنوعة ، وأنه لا شيء أدل على الصانع من وجود موجود بهذه الصفة في الإحكام ، لعلموا أن القائل بنفي الطبيعة قد أسقط جزءا عظيما من موجودات الاستدلال على وجود الصانع العالم " ( ف : 223 ) . 4 - القول بالأسباب الطبيعية لا يمس بالإرادة الإلهية هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فقد أراد الأشاعرة من قولهم بالتجويز ونفي تأثير الأسباب الطبيعية أن يثبتوا أن صانع العالم فاعل مريد ، يجوز أن يفعل كذا أو لا يفعل الخ . . وهذا التعارض الذي يقيمونه بين القول بتأثير الأسباب الطبيعية وبين إثبات الإرادة الإلهية ، هو في نظر ابن رشد ، تعارض ناتج عن فهم غير دقيق ولا صحيح لمفهوم الإرادة . ولذلك يلاحظ ابن رشد أنهم إنما قالوا بالتعارض بين الأسباب الطبيعية والإرادة الإلهية لكونهم يأخذون آراءهم من بادئ الرأي : أي من " الظنون التي تخطر للإنسان من أول نظرة " ، ولما " كان يظهر في بادئ الرأي أن اسم الإرادة إنما يطلق على من يقدر أن يفعل الشيء وضده ، رأوا أنهم إن لم يضعوا أن الموجودات جائزة لم يقدروا أن يقولوا بوجود فاعل مريد ، فقالوا إن الموجودات كلها جائزة ليثبتوا من ذلك أن المبدأ الفاعل مريد ، كأنهم لم يروا أن الترتيب الذي في الأمور الصناعية ضروري ، وهو مع ذلك صادر عن فاعل مريد وهو الصانع " . ويضيف : " وهؤلاء القوم غفلوا عما يدخل عليهم من هذا القول من نفي الحكمة عن الصانع أو دخول السبب الاتفاقي في الموجودات ، فإن الأشياء